محمد بن جرير الطبري

238

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : فكل هؤلاء الذين ذكرنا مخالفون القولَ الذي رويناه عن ابن عباس في عدد المشركين يوم بدر . فإذْ كان ما قاله من حكينا قوله - ممن ذكر أن عددهم كان زائدًا على التسعمئة - [ صحيحًا ] ، ( 1 ) فالتأويل الأول الذي قلناه على الرواية التي روينا عن ابن مسعود ، أولى بتأويل الآية . * * * وقال آخرون : كان عددُ المشركين زائدًا على التسعمئة ، فرأى المسلمون عدَدَهم على غير ما كانوا به من العدد . وقالوا : أرى اللهُ المسلمين عددَ المشركين قليلا آية للمسلمين . قالوا : وإنما عنى الله عز وجل بقوله : " يرونهم مثليهم " ، المخاطبين بقوله : " قد كان لكم آية في فئتين " . قالوا : وهم اليهود ، غيرَ أنه رجع من المخاطبة إلى الخبر عن الغائب ، لأنه أمرٌ من الله جل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لهم ، فحسن أن يخاطب مرة ، ويخبرَ عنهم على وجه الخبر مرّة أخرى ، كما قال : ( حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) ( 2 ) [ سورة يونس : 22 ] وقالوا : فإن قال لنا قائل : فكيف قيل : " يرونهم مثليهم رأي العين " ، وقد علمتم أن المشركين كانوا يومئذ ثلاثة أمثال المسلمين ؟ قلنا لهم : كما يقول القائل وعنده عبد : " أحتاج إلى مثله " ، فأنت محتاج إليه وإلى مثله ، ( 3 ) ثم يقول : " أحتاج إلى مثليه " ، فيكون ذلك خبرًا عن حاجته إلى مثله ، وإلى مثلَيْ ذلك المثل . ( 4 ) وكما يقول الرجل : " معي ألفٌ وأحتاج

--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " فإذا كان ما قاله من حكيناه ممن ذكر أن عددهم كان زائدًا على التسعمئة فالتأويل الأول . . . " ، وهي عبارة غير مستقيمة ، وسهو من الناسخ كثير ، فرجحت أن صوابها : " حكينا قوله " في الموضع الأول ، وزيادة " صحيحًا " في آخر الجملة كما وضعتها بين القوسين . ( 2 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 195 . ( 3 ) في المطبوعة : " أنا محتاج إليه وإلى مثله " ، وهو إفساد . والصواب من المخطوطة ومعاني القرآن للفراء 1 : 194 . ( 4 ) عبارة الفراء أوضح وهي : " فأنت إلى ثلاثة محتاج " .